إبراهيم عيسى
كان لقائي الأول به صدفة غريبة جدا..في معرض القاهرة للكتاب في يناير 2003 كنت قد تعبت من اللف والدوران
فجلست أستريح قليلا أمام جناح الأهرام ثم وجدته أمامي ، لم أكن رأيته من قبل إلا على شاشة دريم في قهوته الخاصة صاخبا ساخطا وجريئا ، كنت مغرما بتجربته الدستور التي غيرت مفاهيم الصحافة المصرية- بحق وحقيقي مش كلام كبير وبس- ثم أغلقتها الحكومة مع سبق الإصرار والترصد لأنها أصبحت صداعا حقيقيا لأنها نجحت في أن تدخل عقول الناس قبل قلوبهم.
أقتربت منه سعيدا وطلبت منه التواصل معه فأعطاني - ببساطة شديدة -الإيميل الخاص به ، فكان التواصل عبر الإنترنت ثم التليفون فاللقاء المباشر لعدة مرات -يعني من 3 إلى 9 فقط كما يقول علماء اللغة في وصفهم لـ"عدة" وحتى لايقل البعض أني أشير إلى أني صديق شخصي له - في كل مرة كان يبهرني ببساطته وبشاشته وتفاؤله رغم كل السواد الذي يحيط بنا والذي يحاصره هو بشكل خاص ، فالرجل منع من الكتابة لأكثر من 7 سنوات وأغلقت له السلطة4صحف و5 كتب -منعت في مرة أحدى الصحف من الصدور بعد أن تم تحمليها في عربات التوزيع -، ثم منع برنامجه السياسي اللاذع "على القهوة " من قناة دريم ، وعاصرت معه وئد إصدار الدستور مرة أخرى في أواخر عام 2003 ثم الحركة الدنيئة معه في جريدة الغد ، ومع ذلك ظل إبراهيم عيسى محتفظا بتفاؤله ، في فبراير الماضي ذهبت إليه في مقر جريدة الغد ولم يعد باقيا على صدرو العدد الأول من الجريدة إلا 3 ايام فقط فوجدت المدير الفني يطلب منه تأجيل الصدور قليلا لأن الإخراج الفني للجريدة يصعب أن يتم في هذه الأيام القليلة خاصة أنه لم يكن لديهم الإمكانيات التي تساعدهم على ذلك فوجدت إبراهيم عيسى يضحك قائلا" ياسيدي متزعلش نفسك ، بكرة ممكن يجي قرار يخلينا منطلعش خالص" وبالفعل لم تخرج الجريدة برئاسته!
وفي ليله منع جريدة الغد من الصدور أتصلت به وسألته هل ماسمعته صحيح وهل الجريدة لن تصدر فعلا جاءني صوته مثقلا بهموم وضيق الدنيا كلها وهو يؤكد صحة الخبر ورغم هذا لم ألمح في صوته أي أثار للإحباط ..أيام قليلة ووجدته يرسل لي إيميل يشير فيه أنه يمكنني أن أزوره في المقر الجديد للدستور! قلت لنفسي وقتها "يالله..الراجل ده بيجيب الصبر والإصرار ده منين" ..وصدرت الدستور ..وذهبت له بعد العدد الأول للتهنئة فسألني بإهتمام- رغم إني لازلت في ألف باء صحافة - عن رأيي في العدد الأول فقلت له إنطباعاتي التي كانت معظمها سلبي ..لم يثر في ولم يصرخ في وجهي على طريقة يوسف بك وهبي "أخرج عليك اللعنة "بل تقبلها بصدر رحب وناقشني فيها بهدوء وأنا لازلت مندهش من اهتمامه أصلا برأيي ، ولازلت أذكر حتى الأن ملامحه وهو يقول لي أن أحلى اتصال تلقاه بمناسبة صدور العدد الأول من الدستور كان من صديق له يقول له بأن أولاده الصغار معجبون جدا بالدستور والرسوم الموجودة فيها رغم أنهم بحكم سنهم لايفهمون معظم الموجود فيها ، وقتها قال لي "أنا بقى يهمني الأطفال دول".
إبراهيم عيسى قد يصدمك بأراءه الحادة الصريحة كأختلافه الشديد مع الشيخ الشعرواي الذي يراه متشددا ضد المرأة ، أو في رأيه في عمرو موسى الذي يراه ظاهرة صوتيه لا أكثر أضرت بمصر وبالوطن العربي أكثر مما أفادت ، وقد تتعجب من أنه لا يرفض الإصلاح الذي يأتي من الخارج أو حتى من الجن الأزرق ، وأنه صديق للدكتور سعد الدين إبراهيم الذي نهشت كل الصحف في شرفه للدرجة التي جعلت الجميع يتعامل معه وكأنه وباء يسير على قدمين، لكن مع ذلك لاتملك سوى أن تحترم أراءه وأن تقتنع بها أيضا في كثير من الأحيان أو على الأقل هذا ما يحدث معي .
الذي يجعلني أحب وأحترم إبراهيم عيسى بشدة بعيدا عن تميزه الصحفي وثقافته الواسعة هو أنه "نضيف" نضيف بجد مش زي ناس يظهروا نضاف من بره ومن جوه أستغفر الله العظيم ، وأنه مخلص فعلا للبلد دي ومخلص فعلا في محاولاته لتطوير الصحافة في مصر ، ولأن القاهرة لم تفسد أخلاقه ابدا ولايزال محتفظ بأخلاق الفلاحين في قويسنا وأكبر دليل على هذا أنه كان من الممكن أنه يهاجم أيمن نور بكل ضراوة -خاصة بعد ما أقترب منه ومن تجربة حزب الغد - بعد ما تخلي عنه أيمن نور "سواء طواعية أو بالإجبار" وخاصة أن الهجوم على أيمن نور كان هو الورقة الرابحة في كل جرائد مصر بلا استثناء إلا أن الرجل في دماثة وتهذيب لم يفعل ذلك .
وفوق كل ده وده أنه يعطيني أمل كبير في بكرة وأمل كبير في أن الصح دائما هو الذي يكون ، وأكبر دليل على هذا أنه بعد سبع سنوات من محاربته وسبع سنوات من كتم نفسه أصبح رئيسا لتحرير جريديتن مش جريدة واحدة "الدستور- صوت الأمة" وصوته بإذن الله معدتش حد هيقدر يمنعه يوصل للناس ..
أستاذ إبراهيم..ربنا يبارك لك