من نفسي

بكسر النون

الاسم: محمد هشام عبيه
الموقع: الدقهلية- القاهرة, Egypt

السبت، أبريل 19، 2008

كل هذا الهمهمهم


كل هذا الـ"همهمهم"


بصراحة لا أنا ولا أي أحد من الأصدقاء أو الأغراب أو عابري السبيل ولا حتى الرفيق "نوستراداموس" كبير المتنبئين في عصره وأوانه، كان لدينا تخيل ولو حتى ربع في المائة بأن حفل توقيع كتب "أول سطر" سيكون- اللهم لا حسد وقل أعوذ برب الفلق- بكل هذه الأبهة وكل هذا الحضور المبهر الذي يخض أجعصها بني آدم، ولكم أن تتخيلوا مقدار الفزع الذي أصابني عندما عرفت من الأصدقاء بأن الحضور زاد لدرجة أن هناك من وقف على سلم "مكتبة عمر بوك ستور" بعد أن امتلأ المكان عن آخره.. بجد حاجة تفرح وترعب وتسعد وتقلق.. لا أجيد التعبير عن مشاعر الفرح، أو الامتنان والشكر، وفي مثل هذه الحالات عادة ما أهمهم بكلام عبيط من نوعية "نمنمنم.. همهمهم.. سسسسسس!"، لكني متأكدا جدا من أنكم تفهمون جيدا ما الذي كان بداخلي يوم الحفل والآن وأنا أكتب عما حدث في يوم 17 أبريل الماضي الذي قررت أن أجعله "عيدا للحب" بدلا من ذلك العالمي الذي يحتفلون به في شهر فبراير من كل عام.. لأني على يقين بأن كل من كان في "عمر بوك ستور" في هذا اليوم لم يكن ليأتي إلا بدافع هذا الحب..
فشكر مليئ بكل الامتنان والتقدير والمودة والاحترام لكل من حضر وشارك وهنأ في فرحنا هذا.. ولكل أحد بأسمه كما يقول رجل "النقوط" في الأفراح الشعبية المحببة..
د.سيد البحراوي الذي قارن أول سطر بالحركات الثقافية في الستينيات وهو أمر نضعه فوق رأسنا بتقدير.. وخوف أيضا من أن يكون أمن الدولة خد خبر بالموضوع ده!
د.شيرين أبو النجا.. التي اقتربت مني لتقول في صوت رقيق وهي تحمل نسخة من كتابي "أنا اسمي شيرين ممكن توقع لي!".. آه وربنا ده حصل.. طبعا أنا كنت هأعيط!
د.أمل أبو الفضل ود. أحمد الشامي حكام دولة "بص وطل" الذين أكد حضورهما استمرار دعمهما الكبير لنا جميعا ولي تحديدا إلى أقصى الحدود
الرائع الفريد الرهيب "بلال فضل" الذي لم يكسفني أبدا وحضر ليضفي بوهجه الخاص على المكان روحا مبدعة فنانة.. حتى بعد أن "اتمحكنا" في كلمة منه - على غير الاتفاق- كان كريما كعادته وتكلم عنا بمودة ومحبة .. وكشف عن مفاجأته الكبرى في تحويل كتابي " يوميات مدرس في الأرياف" لـ"حسام مصطفى" و"الأطباء لايقولون آه" لـ"د.بستاني نعمان" إلى سيناريوهين سينمائيين.. يعني اللهم لا حقد ولا حسد ولا غيرة!
الجميل "عمر طاهر" الذي حضر كالنسمة في ليلة صيفية شديدة الحرارة ثم آثر الرحيل مبكرا لأنه يدرك تماما أن وجوده خطر علينا وأن حفل التوقيع سيتحول إلى حفل توقيع له!
وشكر جامد جدا لكل صحبة الأحباب.. الروائي الفذ "طارق إمام" الذي يخجلني بإنسانيته هذه ويشعرني بأنني أنتمي إلى عصور ماقبل الحضارة! والهادئ الصموت العميق كنيل اسوان الروائي الموهوب "الطاهر شرقاوي"، الفنان النجم –بجد-د.شريف عرفة الذي لم يكتف بالحضور والتشجيع والحضن الكبير وإنما جاء مصطحبا الزهور الرقيقة كروحه الفواحة بعطر ذوقه ومودته وأخلاقه، الدماغ "ميشيل حنا" الذي أعرف أنها لمعجزة تلك التي تجعله يراوح مكانه الأثير في مسكنه في مصر الجديدة ليحضر بكامل إرادته الحرة إلى وسط البلد، لأ وبعد الساعة 6 كمان! القاصة "سهى زكي" التي جاءت ورحلت قبل أن يبدأ الحفل لأسباب متعلقة بزن ابنتها الصغيرة الجميلة لكنها- الجدعة المجدع- اشترت نسخة من كتابي "كتابك غالي قوي ياسهى!"، الشاعر الجميل "تامر عفيفي" في تعارف أولي سيدوم إن شاء الله، والعسل "إبراهيم عادل" الذي أراه في كل تجمع أدبي دافئ مثل هذا وكأنه هو السبب في كل هذا الدفء، وحبيب قلبي نجم وشاعر شعراء الدقهلية النازحين إلى القاهرة "أشرف توفيق" اللي أكل كل البيتي فور تقريبا!، وكل البنات الرقيقات الصغيرات الجميلات "روني العجيب" وصديقتها الطبيبة في أبو الريش "شوف أنا فاكر إزاي"، و"هاجر مجدي" التي أصرت أن أوقع لها مرتين مش عارف ليه!، و نجمة دار الكتب "ميادة مدحت" التي آمل ألا تكون قد تضايقت مني لأني لم أرحب بها الترحيب الذي يليق "والله ده مرض اسمه بلاهة التوقيع!"، والزملاء الصحفيين الرجالة عن جد "شريف الدواخلي" و "حسام عبد الشافي" والراجل بجد "سامح قاسم" الذي صيتنا بشكل جميل في "الدستور" والأخ فعلا "محمد البشري" الذي أجل سفره إلى "قويسنا" إلى هذا الوقت المتأخر من الليل مخصوص من أجل الحفل.. شكرا للمايسترو "أحمد عمار" على إدارة الحفلة بروح المذيع المحترف "قناة الحياة وكده" والشاعر الجامد"حنين وكده"، وشكرا لـ"محمد سمير" أخو "دعاء سمير" على كل هذا الكلام الرقيق الذي قاله في حق العبد لله، رغم أنه قتلني بسؤاله المستمر عن غياب صديقنا "إبراهيم فايق" ورغم أني حلفت له مية يمين أنه في البحر الأحمر! وشكرا لـ"منار عوني" التي ضحت بمباراة الأهلي من أجل الحفل فلم يفز فريق الشياطين الحمر- يارب دايما- وامتعتنا هي بالحضور، والشكر للعزيز"نصر" الذي أفلت من صاحب المخبز الذي يعمل فيه بأعجوبة ليحضر بكل مودة من أجل التوقيع.
وكل المودة والإعزاز للمخلصة "سارة محمد شحاتة" التي لم تكتف بمغامرة التواجد خارج المنزل إلى العاشرة مساء وهي جريمة ربما تدفع ثمنها سجنا في الواحات!، وإنما تفضلت بإحضار شيكولاتة "من الغالية" كان نصيبي منها قطعة واحدة للأسف، وشكر بكل آيات وسلوى ومنة ودنيا العرفان للصديقة الأعز "نانسي حبيب" التي كانت تتحرك في المكان وكأنها "أم العروسة" فتوزع الشيكولاتة بابتسامة شيكولاتية وتلتقط الصور وكأنها "عادل مبارز"، وتوجه الضيوف إلى دفع فلوس الكتب عند "الكاشير" لأن الحفلة مش ببلاش! كل هذا دون أن نختتم الحفلة جميعا بساندويتشات من فلفلة كما كان الاتفاق"سوري يانانسي"!
شكر كبير أيضا- معلش دي فقرة التهاني.. الأغنيات الفقرة اللي جاية- للرائع د.أحمد خالد توفيق الذي اتصل قبل الحفل بيوم ليعتذر عن عدم الحضور لظروف امتحانات الترقية في كلية الطب" شد حيلك يادكتور" وللدكتورة "نادية رضوان" التي اعتذرت عن الغياب بسبب انشغالها بوضع الامتحانات في جامعة قناة السويس "خلي بالك من الطلبة يادكتورة" ، وشكر كبير للشاعر الكبير"أحمد زرزور" و الروائية الصديقة "نهى محمود" والفنان صاحب سيناريوهات الكوميكس المبدع "عبد المنعم حسين" الذين اعتذروا جميعا في كرم كبير بسبب البرد اللعين الذي هاجمهم في مؤامرة واضحة من منظمة الصحة العالمية لحرماننا من وجودهم معنا، والمحبة كلها للجدع جدا الموهوب جدا "محمد فتحي" الذي منعه عن الحضور مناقشة رسالة الماجيستير الخاصة به في فن الكاريكاتير الصحفي، والذي اتصل بي بعد الحفلتين ليطمئن عما حدث وليبشرنا بنيله للماجيستير بتقدير امتياز وهو ما حول الفرح إلى فرحين، والتقدير كله للرقيقة "نهى العربي" التي نزلت علي رسالتها القصيرة وقت الحفل بردا وسلاما وكأنها كانت حضورا معنا وهي في الإسماعيلية..
شكرا لرجال عمر بوك ستور على هذا التنظيم الجميل، وللصديقين "أحمد عبد المنعم" و"محمد جميل" الذين حضرا الحفل موفدين عن دار ليلى ناشرنا العزيز الذي من "الربكة"نسينا أن نذكرها ولو بكلمة واحدة وعذرنا أنهم يقدرون ذلك، وشكرا لحلواني العبد على هذا البيتي فور الجامد جدا، وشكرا للسيد الرئيس لتفضله بإعلان حركة المحافظين وكشح محافظ الدقهلية وإعلان أكتوبر وحلوان محافظة مستقلة في نفس يوم التوقيع على الكتب فهذا يعطي بعدا سياسيا وتاريخيا للحفل!، وشكرا للإسماعيلي الذي تعادل مع الأهلي في نفس توقيت الحفل فهذا أدخل بهجت كثيرا على قلبي.. وشكرا لكل من قرأ هذه البوست الطويل جدا كشعر هيفاء وهبي ولم يشعر بالملل.. ويا صباح الفل والحب..



الصورة الوحيدة حاليا- لظروف التحميل القاتلة للإنترنت- لـ"سارة محمد"

الخميس، أبريل 10، 2008

قلمي ومفتاحه

قلمي ومفتاحه


في حفلتي التوقيع الوحيدتين اللتين حضرتهما للصديقين الموهوبين "محمد صلاح العزب" و"محمد فتحي" فوجئت بأن الكاتبين الحلوين الكبيرين بالقوى، جاءوا من أجل التوقيع للقراء بدون قلم!، ولأنه لم يوجد في المكان وقتها- وفي المرتين- أحد تبدو عليه ملامح "المقلمة" سواي، فقد أعطيت لهما بكامل إرادتي الحرة- وكل واحد لوحده – قلمي الأسود العزيز "اليوني بول" أبو سبعة جنيه!، صحيح أن "العزب" طلع جدعا وأعاده لي بعد أسبوعين وقد انتهى نصف الحبر الذي فيه!، وصحيح أني مازلت منتظرا أن يكون "محمد فتحي "جدعا بدوره!، لكن هذا علمني ألا أذهب حفل توقيع لأحد من الأصدقاء الأعزاء وأنا أحمل قلما غالي الثمن مثل "اليوني بول" - دول سبعة جنيه حضرتك!- ويفضل ألا أحمل قلما من أصله!
لكن الأمر سيختلف بكل تأكيد الخميس القادم 17 أبريل 2008- سجل يا تاريخ - والأكيد أني سأذهب في هذا اليوم الساعة الثامنة مساء إلى مكتبة عمر بوك ستور في شارع طلعت حرب فوق مطعم "فلفلة"- العنوان تفصيلي أهو مالكش حجة- وأنا أحمل دستة أقلام "يوني بول" أسود، لأن هذا اليوم سيكون ميعادا لحفل توقيع كتابي "عزيزي 999" بالاشتراك مع الأصدقاء الأعزاء "أحمد عمار" وديوانه الشعري الرقيق "حنين" و"حسام مصطفى" وكتابه القنبلة "يوميات مدرس في الأرياف" و"دعاء سمير" وكتابها الهادئ في عنف "حب بلون البنفسج" ضمن فعاليات وأنشطة سلسلة "أول سطر".. ماتخافوش كل واحد فيهم هييجي بقلمه إن شاء الله!
في انتظاركم في الميعاد المحدد إن شاء الله- نقوله تاني.. الخميس 17 أبريل 2008 الساعة 8 مساء- والمكان المعلن- نقوله تاني.. مكتبة عمر بوك ستور.. شارع طلعت حرب فوق مطعم فلفلة..القاهرة طبعا ماحدش يروح المنصورة!-.. والمفاجأة بقى هي – أيوه لازم نعمل إغراءات وحركات- حضور الكبيرين الناقد المعروف د."سيد البحراوي" أستاذ الأدب بجامعة القاهرة والرائع الجميل "بلال فضل"- توريط للاثنين على الهواء!- وجارى التحضير لعزومة عدد آخر من "المحترفين" عشان نخلي الحفل ماتش دولي بالصلاة ع النبي... في الانتظار..

السبت، مارس 15، 2008

مصطفى عز الدين

مصطفى عز الدين


من أول طلة، عرفت أنه "تبعنا"، البشرة السمراء بلون طمي نيل أسوان، الجسد النحيل القوي كشيمة أهل الصعيد الجواني، نقاوة الروح التي تظهر في خفة الدم "البيور" وصف الأسنان البيضاء رغم سجائر "الكيلوباترا" التي تستعمرها منذ عمر طويل، وكل هذا الذكاء والأسئلة ووجهات النظر التي تطل من العيون.
ولأننا في القاهرة فأنهم يطلقون عليه لقب "أوفيس بوي"، وهي محاولة بليدة من أهالي العاصمة لتخطي حرج تسمية الأشياء باسمها الحقيقي عن طريق لصقها بكلمة إنجليزية حتى تبدو "الافرنجة"، رغم أن الاسم الأجنبي – كما لعلك لاحظت- لا يقل سخافة عن لفظ "فراش" كما نطلق عادة على من يقومون بأعمال النظافة والبوفيه في المصالح والشركات.
عن نفسي لم يكن هو هذا أو ذاك، كان بالنسبة لي "مصطفى" فقط، "مصطفى" الذي يصنع لي "أظبط" كوباية شاي، والذي أتناقش معه في أمور وأحوال الوطن ومحاكمة إبراهيم عيسى وتزوير الانتخابات وحال ناس الصعيد، و أشاكسه كلما خسر الأهلي مباراة – وهو أمر نادر طبعا- وأشاركه حل الكلمات المتقاطعة ثم "السودكو" في مرحلة لاحقة.
كان رقيق الصوت هادئه، على عكس الانطباع السائد عن أهل الصعيد، حتى أني في بدايات المعرفة كنت أظنه يتصنع ذلك، إلى أن اكتشفت أن هذا طبيعة أصيلة فيه، نابعة – فيما يبدو- من الخجل لكونه هاجر بلده "أسوان" تاركا "الطين" وراءه من أجل أن يأتي للقاهرة حتى يعمل- ولامؤاخذة- "أوفيس بوي".
لما سألته يوما عن عمره فوجئت بأنه تخطى الثلاثين بثلاثة أعوام كاملة، ثم تعاظمت الدهشة لما عرفت بأنه غير متزوج "ليه يامصطفى؟!"، يضحك في هدوء ثم يقول بلهجة نوبية محببة " يا أستاذ محمد الجواز مش لينا!"، ويحكي عن أرضهم المحرومين منها بسبب نزاع عليها مع أخرين، وعن التكلفة الكبيرة للزواج، وعن المعيشة الصعبة في القاهرة التي لايكفيها "مرتب وكيل وزارة" على حد تعبيره.
لما كنت أراه جالسا في أحد الأركان مستندا إلى ركبتيه يدخن سيجارته في استمتاع كنت أشعر أنه يعيش في عالم خاص به، عالم رحب بلا ضغينة تجاه أحد رغم قسوة الظروف وبعد الأهل وفوضى القاهرة وأهلها، حتى أني كنت لما أراه متخذا هذه الوضعية التي تشبه أوضاع لاعبي اليوجا كنت أحرص على ألا اقترب منه حتى لا أخدش عليه صفاء اللحظة ، إلا أنه كان فور أن يلمحني عن بعد يهب واقفا وكأني ضابط من مكافحة المخدرات قفشه في قعدة حشيش، ثم كان يقف معتذرا بهمهمات غير مفهومة وكأنه يشعر بأن ذنبا ما سيقع عليه إذا ضبطه أحدهم وهو يسرق لحظات من المتعة مع سيجارة كيلوباترا بريئة.
لما رأيت الفرحة في عينيه يوم أن قطع تذكرة القطار الذي سيعود به إلى أسوان في زيارة قصيرة بعد ثلاثة أشهر من العمل المتواصل، عرفت أنه لن يتحمل القاهرة كثيرا ، ولما جاءني من هناك بكيلو من الكركديه الأسواني الأحمر كدم الغزلان من دون أن أطلب منه ذلك عرفت أن كرمه هذا لا يليق إلا بفلاح مصيره مرتبط بالطين والنيل وشمس الصباح وأبوقردان، وليس بقميص لبني والشاي والقهوة وأقراص الطعمية الذي يشتريها لـ"الأفندية".
لكل هذا لك أن تتوقع شعوري لما جاءني في أحد الأيام مودعا بعيون لامعة سعيدة "كسبنا القضية والأرض رجعت لنا" فأقول له منقبض القلب: "طيب ما تأجروها لحد وخليك هنا"، يضحك ولا يرد تأدبا، فأعاجله بالقول" إحم.. واضح أن الإيجار ده عندنا في بحري بس" وأنا احتضنه شاعرا بدفء عمره آلاف السنوات نتواعد على لقاء يوما ما في أسوان ثم وهو يرحل أسأل نفسي ذلك السؤال الصعب.." ترى.. متي سأكسب أنا القضية؟!".





السبت، فبراير 16، 2008

عمليات خاصة.. شرقية

عمليات خاصة.. شرقية


في ليلة شتوية كهذه، لا تتجاوز أحلامك الكبرى أكثر من "طبق شوربة" وبطانية "ساراتوجا" و"ريموت كنترول" تقلب به محطات التليفزيون الذي تضبطه على الإغلاق بعد نصف ساعة، وكلما اقتربت من منزلك كلما تراءت لك هذه الأحلام متجسدة، حتى أنك ربما تتنسم رحيق بخار الشوربة الدافئ وتلعب بيدك في الهواء وكأنك تقلب في الريموت، وعندما لم يعد باقيا على كل هذا سوى عشر دقائق فقط، حدث التالي.
تبدأ السيارة – الـ 128طبعا أزعل لو نسيت!- في "الكح"!، الجو برد فعلا لكن هل تحور انفلونزا الطيور فعلا وأنتقل من الدجاج والبط إلى السيارات الـ128 تحديدا؟ تكح السيارة في انفعال شديد "كح كح كح"، ثم ينقلب الأمر فجأة إلى "رجرجة" و"تحشرجات" حتى حسبت أني داخل زجاجة دواء يرجها أحدهم في قوة، ثم تبدأ الانفجارات في الظهور من الخلف "طخ.. بوم طخ طخ بوم!" في صوت شديد الإزعاج جعلني أتصور أني أصبحت هدفا لفيلق من المارينز الأمريكي الذي ضل طريقه إلى العراق فجاء ها هنا إلى صحراء العبور!، أميل بالسيارة في سرعة إلى جانب الطريق، وأهبط وأنا أحمي وجهي بيدي خوفا من أي طلقات قد تنطلق من أسلحة القناصة، أفحص السيارة بنظرة عين سريعة، فأجد كل الأشياء سليمة، أعود للجلوس بداخلها من جديد وأتحرك في بطء، تتكرر الحشرجات والكحة والانفجارات وكأنها تعاني من انتفاخات هضمية مريعة ، قبل أن تعلن السيارة استسلامها فجأة وتتوقف على حدود مدينة العبور الباسلة!
مرتادو طريق القاهرة – الإسماعيلية الصحراوي يعرفون كيف تكون طبيعته عندما يدخل الليل، إذ يتحول إلى أرض خصبة لكل أفلام الرعب وما وراء الطبيعة، فمابالك حضرتك إذا كنا الآن في الحادية عشر مساء؟ أبحث عن أي كلب ضال للمساعدة، فلا أسمع أي "هو هوه"، قبل أن تحدث المعجزة عندما أرى أمامي سيارة نقل بمقطورة تقف على بعد أمتار قليلة، عندما اقترب منها أكثر وأكثر أمنع نفسي بصعوبة من تقبيل رمال الصحراء ومن نزول دموع الفرحة، السيارة تحمل أرقام "نقل الدقهلية"، بل والأجمل، أرقامها الأولى تكشف أن أصحابها من "شربين" تحديدا، يا فرج الله.. أقطع عليهم ما كانوا يفعلونه- تقريبا كان بيسلموا صفقة مخدرات!- وبعد سلام متشكك انقلب إلى ترحاب بعدما اتضح أننا ننتمي إلى وطن واحد يبعد عن العبور نحو 180 كيلو مترا كاملة، يبادر أحدهم بفحص سيارتي المسكينة بعدما شرحت له أعراض الأنفلونزا التي أصابتها بانتفاخات!، وكأي ميكانيكي محترف يبدأ في فك ما يعرف باسم "العمة" في ماكينة السيارة، صحيح أن معلوماتي عن ميكانيكا السيارات لا تختلف كثيرا عن معلومات أي مسئول في مصر عن حال الشعب، إلا أني كنت متأكدا من أن ما يفعله "بلدياتي" لا علاقة له مطلقا بموطن الوجع في السيارة، الأمر أشبه بأن تشكو لطبيب عظام ألما في قدميك، فيبدأ في فحص أنفك!
وطبعا كانت النتيجة الممزوجة بيأس "هنزق"، فيزقوا، وتكركر السيارة طويلا، وتطلق حشرجة شبيهة بحشرجة خرتيت يحتضر، قبل أن يدور المحرك في بطء، فأسمع بلدياتي يصرخون "روح .. وأوعى تقف"، سمعت أنا الجملة ووعيتها جيدا لكن من قال أن سيارتي سمعت ووعت مثلي؟
من زار مدينة العبور ذات مرة ، يعرف أنها مقامة على مرتفعات ومنخفضات، ولهذا فإن الطرق الموصلة إلي أحيائها تأخذ نفس الشكل، مرتفعات ومنخفضات، كنت أدعو الله أن تكمل السيارة جميلها وتصل بي حتى المنزل، حتى اكتشفت أني لم أكن متوضئا فيما يبدو، توقفت السيارة ثانية بعد فاصل متصل من الكح و الانفجارات الخلفية، لكنها كانت أصيلة وتوقفت أعلى مرتفع، وهكذا كان الأمر بسيطا هذه المرة، سأدفعها وأنا خارجها مستفيدا من قوة انحدارها، الأمر لم يكن سهلا طبعا، لكني فعلتها- أنا شاطر!- ودارت السيارة الجدعة ثانية، وأنا أبسمل وأحوقل وأدعو الله بكل ما أعرف من أدعية-اكتشفت أنها قليلة جدا بالمناسبة- أن تكمل مسيرتها حتى المنزل الذي لم يعد يبعد سوى خمسة كيلو مترات فقط، لكنها توقفت ثانية.. وهذه المرة ونحن نصعد إلى أعلى مرتفع!
هذه "قفلة دومينو"، حتى لو كنت أمتلك قوة "هرقل" لا يمكن أن أدفع السيارة إلى أعلى طريق زاوية ارتفاعه مابين 30 إلى 40 درجة، طب نجرب أن ندفعها إلى أسفل، وأكرر ذات التجربة السابقة بركوبها وإدارتها لكن وهي تنحدر بالعكس، وجدت هذا حل لطيف فعلا لكن لأن أجد نفسي تحت عجلات السيارة!، "مابدهاش"، فلنجرب أن نشير للسيارات التي تمر بجواري مسرعة- كلهم مروحين يشربوا شوربة!- لعلي أجد لدى بعضها حلا، أرفع يدي في استحياء وألوح للسيارات في بطء ويأس وقلة حيلة وشبه يقين بأن أحد لن يتوقف في هذا الوقت خوفا من أن يكون هذا الذي يلوح لهم ليس سوى مصاص دماء متخفي في صورة 128!، المفاجأة كانت في أن أول سيارة توقفت بعد 30 ثانية فقط، نيسان صني "ملاكي القاهرة" يقودها رجل محترم بلحية خفيفة يسألني في اهتمام عن أي مساعدة، فأرتج علي، لأني فعلا لم أكن أعرف بماذا يساعدني الناس؟! قلت كلاما عبيطا من نوعية "العربية.. واقفة.. زقة.. حبل" فأعتذر في أسف واضح لأنه لا يمتلك حبلا، ثم رحل، تشجعت هذه المرة وأنا ألوح بيدي ثانية لتتوقف هذه المرة شيفرولية نصف نقل "جيزة"، اقترب من صاحبها في سرعة، لأشرح له الموقف بنفس البلاهة "هممم.. مفمفم.. جرني والنبي!"، فيبادرني بالسؤال عن حبل مبديا استعداده للجر فعلا، وطبعا لم أكن أمتلك حبلا في السيارة ليه.. هأغسل الهدوم وأنشرها في العربية يعني!
أقف مستندا على السيارة في يأس، وأنا أنظر للسماء، منتظر الحل والمدد من فوق، قبل أن تتوقف إلى جواري سيارة دايو نوبيرا "ملاكي شرقية"، يهبط منها شاب ذو جسد ضخم ذكرني فورا بالممثل البشع "تامر هجرس" في فيلم "عمليات خاصة"، لكن الشاب الشرقاوي هذا كان ذا ملامح طيبة للغاية وروح ودودة ونفس مفطورة على الخير، مما شجعني أن أطلب منه "المهمة المستحيلة".. دفع السيارة إلى أعلى عكس المنحدر!
رحب الرجل جدا، واتخذ وضع "زق العربية" الشهير، هو من الخلف وأنا من الجانب الأيسر، وبدأنا المعركة.. لم نتحرك سوى لمسافة محدودة قبل أن افتح فمي على آخره طالبا الهواء والتنفس، أنظر إليه في أسى مشفقا عليه مما يحدث خاصة أن الحمل الأكبر في الدفع يقع عليه، فأجده منتعشا كأنه خارج لتوه من "شاور"!، ونحن نستريح- بناء على طلبي طبعا- أساله عن مهنته "ضابط في العمليات الخاصة!"،"إحم.. أهلا وسهلا.. وهي العمليات الخاصة دي تبع إدارة إيه في الشرطة؟" ، "الأمن المركزي يا باشا!"،" مش كده والنبي!.. أهلا بيك.. أنا صحفي"، يشد على يدي في قوة مرحبا في صدق، لكني مع ذلك لم أقل له إني أعمل في الدستور!، نسمي الله من جديد، ثم نبدأ الرحلة التي ذكرتني بعقاب الآلهة في الأساطير الإغريقية، يأتيه تليفون، فيرد عليه بيد وهو يدفع السيارة بيده الأخرى!، قائلا في همس "مش هـتأخر عليكي.. بأزق عربية عطلانة وجاي علطول"، أعرف منه بعد ذلك أنه عائد إلى الزقازيق في إجازة يومين، أشعر بتأنيب ضمير شديد لأني اقتطع من إجازته كل هذا الوقت فأطلب منه الرحيل، لكنه يرفض في عند صعيدي وكرم شرقاوي أصيل مرددا "مش ممكن ياباشا مش سايبك إلا لما تتحرك"، ونحن في أعلى نقطة من الطريق المرتفع انهارت قواي، وبات المسكين يدفع السيارة من الخلف بمفرده تقريبا!، أخيرا وصلنا إلى أعلى نقطة في المرتفع، وأصبح بالإمكان دفع السيارة إلى أسفل، بعد عدة محاولات دارت أخيرا وأنا بداخلها قبل أن أحاول إيقافها لشكره على هذا المجهود الجبار، لكني لمحته يشير لي في المرآة أن أذهب ولسان حاله يقول "مش وقته يابويا!"، تترنح السيارة في بطء، ثم يجاورني هو بسيارته حتى يطمئن على فأشكره بكلاكس يحمل كل معاني الامتنان والمحبة والمودة والاعتذار، ينطلق هو بسيارته ولم يكد يغيب عن نظري حتى أطلقت السيارة كحتها الأخيرة وقطعت النفس من جديد!
هذه المرة الأمر لم يكن سيئا جدا، كنت على مدخل الحي الأول في العبور، لكن المنزل لا يزال يبعد مسيرة لا بأس بها، ولأني كنت قد استهلكت من "الزق" الإغريقي، فلم أكد أدفع السيارة للأمام متصورا أني سأنجح في ذلك حتى المنزل، حتى وجدتها تعود إلى الخلف!، من جديد أقف مستندا إليها ملوحا للسيارات وقد استقريت أنه لا حل في هذه الليلة الطويلة كنخلة، السوداء كالبلح المستوي، سوى أن يجرني أحد، دقائق وتوقفت سيارة "نقل شرقية"- شرقية مرة أخرى.. يا كل حبي لك يا أحمد يا عرابي.. سلامات يا عبد الحليم حافظ.. طيبون يا مروة جمعة.. تكرم يا محمد يا شواف!- كان سائقها ودودا كشيمة أهل الشرقية، تحرك في سرعة بعدما أخرج حبلا مجهزا بخطافين في طرفيه وكأنه معد للجر أساسا، يمشي ببطء وأنا أسير مجرورا خلفه سعيدا بأن الساعة قد اقتربت من الثانية صباحا حتى لايراني أنا أو السيارة أحد من جيراني ونحن في هذا الوضع الأشبه بالأسرى المكبلين بالحبال، أنا مش المهم، لكن نفسية العربية مهمة برضه!، وبعدما وصلنا إلى المنزل، وضعت يدي في جيبي حتى أخرج لهذا السائق المجدع نقودا، فوجدته يبتعد عني في سرعة وكأني سأخرج له "حنشا" من البنطلون، قائلا في تعفف "فلوس إيه يا أستاذ.. دعوة حلوة بس"، ثم رحل تاركا إياي متسائلا عن سر كل الناس الحلوة دي التي تسكن في الشرقية، وعن بركة دعاء أمي الذي وفر لي كل هؤلاء الملائكة في هذا الوقت المتأخر.
في اليوم التالي سأعرف أن السبب فيما حدث، هو أن بطارية السيارة لم يعد فيها طاقة كافية لتشغيل عروسة صينية رديئة الصنع تقول "بابا وماما"، وفي اليوم التالي أيضا سأحقق أمنيتي الغالية وسأعانق طبق الشوربة وسألتحف بالبطانية الساراتوجا وسيغلق التليفزيون تلقائيا بعد نصف ساعة... ياكريم يارب.

الثلاثاء، يناير 08، 2008

رباعية.. استعد


رباعية.. استعد



هيييييه.. دنيا.. عدت سنة هوا.. وأدي الربيع- أقصد معرض الكتاب- عاد من تاني.. وآدينا طلعنا لكم تاني.. والمرة دي بأربعة في عين اللي ما يصلي على النبي..
أدرك أن الكثير إن لم يكن الكل! قد نسى الموضوع أساسا.. ولهذا أعيد ماسبق أن قلته هنا من عام..
أتحدث عن "سلسلة أول سطر" التي أشترك في تأسيسها خمسة من الشباب اللي زي الورد- إحنا يعني!- بغرض إصدار كتب متنوعة بالتعاون مع دار ليلى.. العام الماضي أصدرنا كتابين "الأطباء لا يقولون آه" لد.بستاني نعمان التلباني ، و "الإنسان أصله.. جوافة" لصاحب هذه المدونة – أنا يعني!-.. وكان لطيفا جدا أن نفدت الطبعة الأولى من الكتابين في معرض الكتاب الماضي..

هذه المرة هناك أربعة كتب دفعة واحدة

حنين لـ"أحمد عمار"




حب بلون البنفسج لـ"دعاء سمير"






يوميات مدرس في الأرياف لـ"حسام مصطفى إبراهيم"






عزيزي "999" لـ" محمد هشام عبيه"- اللي هو أنا برضه!-






همتكم معانا بقى..الكتب ستتواجد في بعض مكتبات وسط البلد ابتدءا من الأسبوع القادم إن شاء الله وكذا ستتوفر في جناح دار ليلى في معرض الكتاب القادم- اللي ما أعرفش هيبقى فين لغاية دلوقت.. الجناح مش المعرض-
ونوالي الأخبار والتفاصيل تباعا
صباح الفل






الخميس، ديسمبر 20، 2007

الحاج عربي

الحاج "عربي"

حدث ما تنبأ به "ياسر"- رجل الدش- بكسر الدال- لو كنت لاتزال تتذكره- ، وفي ليلة شتوية باردة لطيفة، كنت أتابع "منى الشاذلي" وهي تتحدث عن شيئا ما لا أتذكره الآن، وفجأة- تن تن تن- بدأت الصورة في الاهتزاز والتقطع، ثم خرج الصوت مبتورا به أزيز يشبه تكات الشفرة السرية التي كان يستخدمها رأفت الهجان لمراسلة المخابرات المصرية.
كان لهذا معنى واحد فقط، "فيه حد بيسرق الدش من البلكونة"، وكأي رجل شرقي شجاع مقدام يدافع عن شرفه- أقصد عن دشه- أحضرت "المقشة" سلاح المواطن المصري الوحيد الذي تسمح به أجهزة الأمن، واقتربت بهدوء من البلكونة المغلقة، وأنا افتحها في حذر داعيا الله أن يكون الحرامي عيل صغير سيفلسع فور أن يراني ولا يكون ضخم الجثة عريض المنكبين قد يستسهل اختطافي أنا شخصيا مقارنة بخلع طبق الاستقبال من قاعدته الاسمنتية.
وبطريقة سينمائية فتحت "شيش" البكونة في عنف وأنا أهتف بصوت رددته الصحراء كزئير أسد هصور يعاني من الإمساك "هع.. مين هناك"، فلا يجيب أحد، اقترب من الطبق، وأمسك به في قوة وانتصار، وأتلفت يمينا ويسار وأنظر إلى أعلى وإلى أسفل فلا أجد حتى برصا ضالا، ثم يأتيني صوت شفرة "رأفت الهجان" متصاعدا من التليفزيون تأكيدا على أن هناك رسالة مهمة ينبغي استقبالها، وكأي مواطن "فتك"- بكسر الفاء- أحاول ضبط الإرسال من خلال توجيه الطبق يمينا ويسارا حتى – الحمد لله- انقطع الصوت وضاعت الصورة وأصبحت شاشة التليفزيون سوداء خرساء، فأعود إلى سريري مطمئن البال هادئ السريرة.

***

جاءني "الباشمهندس أحمد"- كما أصر هو أن أناديه هكذا- على صهوة دراجة بخارية صينية الصنع، وخلفه تابعه "أنور" الذي يمسك له بحقيبة فيها "عدة الشغل"، وهم يصعدون إلى الشقة بدا الاثنان- وهما يرتديان الجواكيت الجلد السوداء- أشبه بفريق "المهمة مستحيلة"، طلبا مني في عجالة فتح التليفزيون والريسيفر وكذا البلكونة طبعا، ثم طمأناني بأنه "خير إن شاء الله"، وهم يضبطان الأمور سألت عن "ياسر" فعرفت انه تزوج "وبطل الشغلانة!"، ثم سألت في إلحاح عن سبب العطل فأجاب الباشمهندس أحمد في بساطة:
"عادي الهوا حرك الطبق"
أعاود السؤال في عدم فهم : وهو كل شوية الهوا يحرك الطبق، الدش هيبوظ؟
رد في تلقائية شديدة: "طبعا.. أمال إحنا ناكل عيش منين؟!"
أعجبني منطقه، فأنخرست، لهف هو وتابعه عشرين جنيها، وظللت لمدة يومين أتابع الصورة كأي مواطن صالح لديه دش يعمل بفعالية، حتى عادت إشارات رأفت الهجان السرية، فتكرر السيناريو بحذافيره، من دون مقشة هذه المرة، لأني أدركت أن السر في الهوا، وأن الأمر لن يحتاج أكثر من زقة لفوق أو زقة لتحت مع ضبط للشمال ولليمين حتى.. تمام كده.. الصورة راحت!

***

المنطق كان يقول بأني علي أن أذهب إلى هؤلاء الحرامية الذين استولوا على عشرين جنيها في مقابل إصلاح الدش ليومين فقط، إلا أني على سبيل إغاظتهم- ماتسألنيش إيه العلاقة!- قررت أن أذهب إلى غيرهم، مجنبا نفسي ارتكاب جريمة قتل عمد لو قالا لي أن سبب العطل هذه المرة أيضا هو "الهوا هوايا"، لأن هذا يعني ضرورة أن أضع الدش في الصالة محيطا إياه بصندوق من الخرسانة المسلحة حماية له من أي تيار هوا يصيبه بنزلة برد.
كنت أبحث عن المحلات المتخصصة في المنطقة، عندما لمحت يافطة الحاج عربي بجواري، "هاهو راجل سُكرة يبيع ويركب ويصلح الدش.. طب إيه اللي رامني ع المُر"، يستقبلني في ترحاب، ثم ينادي بعلو الصوت على محمد، الذي لا يكون سوى صبي صغير لم يتجاوز العشرين من عمره، يأتينا من الشقة التي تعلو المحل وعيونه حمراء بفعل نوم استيقظ منه للتو، اصطحبه إلى الشقة ليكشف على المأسوف على شبابه "الدش"، وبعد محاولات "تفعيص" متعددة يعلن الخبر اليقين: "العيب في "الريسيفر".. أصله نوع واقع قوي.. ده مش مكتوب عليه حتى صنع في الصين.. يومين بس ويكون عندك وآخر تمام".

***

بعد أسبوعين بالتمام والكمال، نجحت أخيرا في أن أجد المحل مفتوحا، استقبلني الحاج "عربي" بترحابه المعتاد، ونحن في انتظار "محمد"، أبادره بالسؤال عن أسعار الشقق في المنطقة فينطلق هو كالرصاصة
"الأسعار هنا بقت نار.. عندك مثلا الشقة دي.. المتر فيها مقرب على الألف ونص، بس أصحابها مسيحيين ومش هيبيعوها.. غريبة قوي رغم أننا جنب المجمع الإسلامي، بس الشارع أغلبه مسيحيين، تعرف.. المسيحيين دول جدعان قوي.. يعني أنا أساسا من الدرب الأحمر وكان جيرانا هناك كلهم مسيحيين عمرنا ما اتخانقنا مع بعض.. وبعدين عمر ما يطلع منهم الغلط.. أقول لك على مثال.. السجن مثلا.. كام واحد بيكون فيه مسلم وكام واحد مسيحي؟ ده حتى لما القسيس بيجي يوزع على المساجين المسيحيين حاجات مش بيلاقي منهم كتير فبيوزع على المساجين المسلمين.. بلاش.. عمرك شفت تاجر مخدرات مسيحي؟ أهو أنا قدامك أهو.. اشتريت مخدرات ياما من وأنا صغير لغاية ماكبرت عمري ما قابلت تاجر مخدرات مسيحي!.. سيبك.. أصلا مصر دي بتاعتهم وإحنا اللي جاين عليهم.. عشان كده مثلا عمرك ما تلاقي واحد سعودي ولا بحريني دمه خفيف زي المصريين .. وده رغم أننا مسلمين زي بعض ليه؟ عشان إحنا واخدين خفة الدم من المسيحيين..آه أمال"
يأتينا محمد بعيونه التي لاتزال حمراء من أثار نوم لا ينتهي، ونحن في طريقنا إلى الشقة للتخلص من رسائل رأفت الهجان، وبعد أن سلمت على "الحاج" عربي، أسأل ابنه : "هو باباك حج في مكة ولا في القدس يا أبوحميد.. وهو مسلم ولا مسيحي بالمناسبة.. ماترد يامحمد"!

السبت، أغسطس 11، 2007

أول ليالي العبور

أول ليالي العبور

في الشقة الجديدة الخاوية الباردة كان على أن أتكيف على هذه الحياة الجديدة التي تبعد عن صخب القاهرة المحبب نحو 25 كيلو كاملة ، وكان علي أن أتجاوز البشائر وأتعامل معها كأنها لم تحدث.. فلا أبالي بالانفجار الذي حدث في أحد المصانع بمدينة العبور قبل أن أصلها بعدة أيام ولا اهتم بمقتل ثلاثة أطفال في عمر الفراشات بعد أن غرقوا في بركة مياه جوفية موجودة في بعض مناطق المدينة وهو الحادث المفجع الذي وقع بعد أن استقريت في الشقة بأسبوع واحد فقط.. حتى أن موجة الحر الواردة للتو من جهنم والتي جعلت العبور- كسائر مدن مصر- والشقة- كسائر شقق مصر التي ياحرام بلا تكييف- أشبه بأتوبيس 35 بشرطة وقت الذروة.. عرق وخنقة وضيق نفس وخلق.. كان على أن اتعامل معها بدورها بوصفها اختبار أولي لمدى ارتباط الناس بالأرض الرابضون عليها.. حتى جاءني "ياسر" ذات يوم.
في إطار البحث عن مفردات للاستقرار في الشقة الجديدة أو الإيحاء بهذا تفتق الذهن عن ضرورة شراء "دش" - بكسر الدال وتسكين الشين-، خاصة وأن الشهور الطويلة التي قضيتها في القاهرة والتي تقفل السنوات الثلاث في أكتوبر القادم قضيتها مدحورا متلقيا أخبار المحروسة وناسها من على لسان تامر أمين وعمرو عبد السميع ومقدمي البرنامج الفلتة "الواحدة صباحا" وهو عذاب فظيع لا يعرف مقداره إلا من ذاقه.
وكان "ياسر" .. بجسده الضخم المترهل وعيونه الذكية ودماءه التي يجري فيها حب النادي الأهلي.. والعرض مغريا بصراحة.. ريسيفر يلتقط قنوات النايل سات زائد سلك 15 مترا وطبق 60 سم بالإضافة إلى تركيب كل هذا بثلاثمائة جنيها فقط.. يابلاش.. بينا ع الشقة.. بينا.
وهو يعمل يده بمهارة، قلت له محاولا تمضية الوقت والتعرف منه على تاريخ وجغرافية مدينة العبور الباسلة خاصة بعد أن عرفت أن له فيها ما يزيد على أربعة عشرة عاما متصلة :" والحياة هنا حلوة يا ياسر"، قال وهو يدب المفك في ظهر الطبق:" طبعا.. هادية ومافيش زحمة.. وكل حاجة هنا بس غالية شوية عن تحت".."إحم.. تحت فين؟".."مصر يعني.. أصل إحنا هنا بنقول على مصر تحت على اعتبار أن العبور مرتفعة شوية".." همم.. مش مشكلة الفلوس تغلى شوية..بس المهم الأمان.. أنا خدت بالي أن قسم الشرطة جنبي هنا.. نشط بقى وكويس".." هاهاها.. ضحكتني".. "آسف والله مش قصدي!".. "لا مافيش حاجة.. بس قسم إيه يا أستاذ.. ده ما بيتحركش إلا لما ييجي له الإذن من المديرية.. حتى لو الجريمة حصلت على بعد مترين منه".." إحم.. لهو فيه جرايم بتحصل هنا أصلا".. "أمال.. يعني مثلا مدير البنك اللي ساكن جنبنا رجع الفيلا بتاعته مرة فاكتشف أن كل حاجة فيها من أول التليفزيون لغاية إبر الخياطة موجودة على المدخل".."ودي طلعت إزاي دي"... "عادي.. الحرامي طلعها ..وكل يوم يعدي عليها ياخد شوية وييجي تاني يوم يكمل"!.." ياشيخ.. ده سرقة برواقة!".. "ولا البنت اللي اغتصبوها وقتلوها ورموها في الزبالة".. "ياه.. ده فين ده كمان".. "هنا في العبور!.. القسم ما اتحركش رغم أن الناس قدمت بلاغات ياما إلا بعد ما جاءت الإشارة من المديرية".. "بس أكيد الحاجات دي حصلت من زمان".. "آه يعني.. من أسبوعين كده!".. "همممم.. من زمان فعلا!"..ثم وقد لمحته قد انتهى من تركيب الطبق سألته "هيه.. هتحطه في البلكونة ولا في السطح".." والله أنت ساكن في التاني ولو اتحط في البلكونة ممكن حد يجيب سلم يطلع عليه يسرقه.. ولو اتحط ع السطح..وكان من غير باب ممكن أي حد ياخده وينزل!".. "طب هايل .. احطه في الحمام بقى ولا السيفون موصل على شبكة ممرات عاملاها عصابة القناع الأسود!".. "لأ خلاص خليه في البلكونة.. وابقى خلي بالك لو الصورة اتهزت في أي وقت..يبقى فيه حد بيسرق الطبق!".. شكرته على النصيحة الغالية وأنا أتساءل عن الحال إذن لو قرر أحدهم سرقته وأنا مغلق التليفزيون، قبل أن اسأله عن طريق مختصر يوصلني إلى القاهرة في وقت أسرع من طريق الإسماعيلية الصحراوي فرد مبتهجا "طبعا فيه.. الطريق اللي واصل بين العبور ومدينة السلام.. هيختصر عليك كتير.. بس امشي عليه الصبح بس.. لأنه بالليل بيكون خطر ومليان بلطجية وضريبة مخدرات.. دول مرة ثبتوا ظابط شرطة نسي وعدى الطريق بالليل من غير ما ياخد المسدس بتاعه!" .. ثم وقد ظهرت الجزيرة وأخواتها على شاشة التليفزيون قال لي ياسر في سعادة "تمام كده خلاص الدش زي الفل.. نورت العبور ياباشا أي خدمة تانية".. وأنا أوصله حتى باب الشقة الذي أغلقته خلفه بالمفتاح والترباس قلت له "تشكر يا عسل.. بس والنبي اسأل لي الشقة دي لو بعتها تجيب كام.. آه.. ومعاها الدش كمان!"