من نفسي

بكسر النون

الاسم:
الموقع: الدقهلية- القاهرة, Egypt

الجمعة، مايو 20، 2005

مولد

مولد

"قرررب..قررررب..بجنية واحد وشوف شيطان الموتوسيكل ،عفريت الدراجة البخارية، الرجل الذي حير العلماء والأطباء ،الرجل الذي زار كل الدول العربية ، سوبر مان المصري ، ابن طنطا..البطل عبده المصري".
بهذه الكلمات الحماسية المدروسة بعناية –وكأن من وضعها خبير دولي في الدعاية والتسويق – وقف ذلك الرجل الذي تظهر عليه علامات التعب والإرهاق-من جراء العمل المتواصل طوال الأيام الماضية –فوق المنصة الخشبية الكبيرة ليدعو الجمهور المتزاحم إلى الصعود إلى المسرح الدائري- الذي نصب في أيام قليلة – حتى يتمكنوا من مشاهدة البطل"عبده المصري" وهو يقود الدراجة البخارية في سرعة شديدة على الجدران الخشبية الدائرية.
وسط حماس الرجل المتزايد بدا"عبده المصري" بملابسه الحمراء المزركشة وشعره الأشيب وكرشه الذي بدأ في الظهور واثقا من نفسه وهو ينظر إلى الجمهور المتزاحم على شباك التذاكر ..الثقة التي بلغت من فرطها أنه كان يتناول ساندويتش فول هدوء شديد ثم تبعه بكوب من الشاي الثقيل وسيجارة"كليوباترا" انتهى منها سريعا ، ثم توجه في لامبالاة إلى منتصف المسرح الدائري وفي تؤدة وهدوء من اعتاد القيام بمثل هذا الفعل الذي صار روتينا يوميا ،جلس على الدراجة البخارية المتهالكة التي يدور محركها العجوز مصدرا صوتا مزعجا ،فيدور"عبده المصري" بها قليلا ثم يفعل المعجزة التي دخل من أجلها كل هذا الجمهور المتزاحم.."لعبة الموت" ،كما كان المنادي لا يزال يهتف بذلك خارج المسرح ، يقفز "عبده المصري" فجأة بالموتوسيكل على الجدار ويسير في سرعة شديدة في وضع يصعب وصفه "عموديا على الجدران الدائرية الخشبية ومواز للأرض" ، عدة ثوان ..ثم في سرعة وحتى تكتمل الخطورة يخرج علم مصر ويضع على عينيه ويرفع كلتا يديه عن مقود الدراجة البخارية ، ستون ثانية بالضبط ثم يهبط بالموتوسيكل من على الجدران الدائرية وسط تصفيق وانبهار الجمهور المتراص أعلى المسرح الدائري ، فيحيي الجمهور في اعتيادية ثم يخرج من المسرح ليجلس على الكرسي المخصص له بمنتهى الهدوء حتى يستعد للعرض القادم.
اللافت أن الجمهور كان يستنفد وقتا في الصعود والهبوط من المسرح أكثر بكثير من الوقت الذي تستغرقه "لعبة الموت" الذي لا يزيد عن دقيقة واحدة فقط!
كانت هذه الليلة الأخيرة / الكبيرة لمولد" الشربيني أبو أحمد" في مدينة شربين -بلدي- التابعة لمحافظة الدقهلية الساكنة في شمال مصر"تبعد شربين عن القاهرة نحو 120 كيلومترا" ، وهو المولد الذي اعتاد أهل البلدة أن يقام سنويا في النصف الثاني من شهر مايو احتفالا بذكرى "الشيخ الشربيني" الذي تراوحت الروايات مابين كونه شيخا جليلا معطاء له من الكرامات التي جعلتهم ينظمون هذا المولد له سنويا ، ومابين أنه كان من أوائل الناس الذين سكنوا واستقروا في هذا المكان وهو ما يجعل البعض يرجع تسمية البلدة نسبة له.
كأي مولد مصري ،اتسمت الليلة الأخيرة بالزحام الشديد واختلط القادمون من البلاد المجاورة بأهالي البلدة وضاقت الطرقات بالسائرين فيها لدرجة يصعب تصورها ، خاصة مع كثافة الباعة الذين يبيعون كل شيء ..الحمص والحلوى –الطقس الأساسي في أي مولد مصري- الفضيات المقلدة ، ألعاب الأطفال الصينية الصنع رخيصة الثمن ، والمزمار الصعيدي المميز الذي يعزف عليه البائع أعذب الألحان .
بينما تراص في زاوية محددة لهم منذ سنوات أصحاب "لعبة القوة" التي يتنافس عليها الشباب والرجال في محاولة لاختبار فحولتهم وقوتهم الجسمانية من خلال دفع كتلة كبيرة ثقيلة من الحديد المثبت على أربع عجلات صغيرة لأبعد مسافة ممكنة.
وعلى مساحة واسعة وقف المنشد بملابسه الريفية المميزة ،وهو يتغنى بكلمات الأغنية التي تمتدح الرسول"صلى الله عليه وسلم" وتقدم في ذات الوقت العظات والعبر وهي التي توحد معها الجمهور –أغلبه من الطاعنين في السن- وهم يدورون بأجسامهم ويتمايلون برؤوسهم ، ويحركون أيديهم يمينا ويسار في تناغم معتاد من هذه الشعائر الصوفية، ووصل الحماس بأحدهم للدرجة التي جعلته يلتقط الميكروفون من المنشد ليغني بدلا منه ، إلا أن حالة التسامي هذه خفتت حدتها فجأة فور أن ظهرت سيارة الشرطة التي تسير في قلب المولد في محاولة لضبط الإيقاع الأمني الذي ينفلت عادة لتظهر السرقات والاشتباكات ، وهو الأمر الذي لم يفت على المنشد الذكي الذي سرعان ما التقط الميكروفون مرة أخرى وطفق يتغنى برجال الأمن وشجاعتهم وبراعتهم ، ثم عاد ليتغنى بجمال النبي "صلى الله عليه وسلم" فور أن ابتعدت سيارة الشرطة عن المكان!
وبينما وقف شاب على خشبه مسرح ممسكا بقطعة من القماش الأبيض الملفوف حول نفسه بطريقة محددة وقد أشعل في أحد طرفيها النار ، وقف زميل له يشجع الجمهور على دخول العرض السحري الذي يقدمون منه جزءا الآن
"بجنية واحد..أدخل وشوف ..مع مراتك ووولادك ..أتفرج على البنت الكهربائية اللي التليفزيون بيشتغل إذا وصلنا سلكه لجسمها..وبتولع السيجارة إذا قربناها من بقها..شوف..أستاذ التنويم المغناطيسي اللي هيعرف أسمك ورقم بطاقتك لما يشوفك أول مرة من غير مايتكلم معاك بحرف..أتفرج على الساحر- مشيرا إلى زميله الأخر- اللي هيقدم عروضا خرافية زي اللي بيعمله دلوقتي "
في ذات اللحظة يفرد الساحر قطعة القماش وقد ظهرت سليمة دون أدنى أثر لاشتعال النار فيها منذ لحظات فيكمل زميله وهو يشير إلى شباك التذاكر
"وكله ده بجنيه عشان المولد ..بس عشان المولد..المولد ..المولد"

4 Comments:

Blogger نعناعة said...

لمحة ذكية يا محمد خصوصا لما نسقطها على مصر كلها
:)

7:22 م  
Blogger Hend Nour said...

شئ غريب و مبهر انك تقدر تفرجنى على مكان و تسمعنى الأصوات اللى فيه بطبقات صوتها المختلفه و طريقة كلامها و انا قاعدة على كرسى الكمبيوتر امام شاشه صماء....ازاى خلتنى اشوف المولد الحقيقى و انا عمرى ما شفته غير فى الأفلام...حتى اسقاطاتك المتداخله فى نسيج الموضوع انسيابيه جداً يعنى الواحد لما يتعرض للموقف ده و يشوف المنشد و هو بيقطع مدح الرسول (صلى اللع على صحبه و اله و سلم) ليبدأ فى مدح الشرطه و رجال الأمن (غضب الله عليهم) و كأنه شئ اصبح عادى زى شرب المياه مش كل النس هتقدر تمييز النشاز اللى تداخل مع الإنشاد لأن للأسف زى ما قلتلك من شويه اصبح الأمر شئ بديهي و طبيعي لدى البعض فى حين البعض الأخر و اللى انت منهم يقدر يلقط التفصيله الصغيرة ديه و يسلط الضوء عليها بذكاء و من غير مباشرة ....و ده سبب من الأسباب اللى خلانى اتسلطن من اللى انا قريته....انا ممكن اكون مش اديبه و لا اجيد الكتابه و لكن اعتقد فى نفسى انى متلقيه اكاد اكون جيده و اتمنى انى اكون فعلاً استوعبت الأحساس اللى دفعك للكتابه.

8:39 ص  
Blogger محمد هشام عبيه said...

منت:ميرسي على وصف اللمحة بالذكاء..هذا الأشياء جديدة علي بالفعل!
هند:ياباشا متحرمش من الكلام الكبير ده ، أنت عارفة موضوع الأمن ده عندي له حساسية كبيرة زي ماسيادتك عارفة!
بس شيء لطيف جدا إني أخليك تتسلطني..خصوصا إن السلطنة دي من غير قهوة أو....يعني!
أنت بتكتبي كويس بالفعل لأنك فعلا متلقية جيدة وده أساس اللي بيكتب كويس..و..بسلطنة!صباح الفل

8:23 ص  
Blogger Doaa Samir said...

الله، الله، عارف إني سمعت الأصوات المغلوشة وشفت الألوانات بتاعة المولد؟ المولد اللي عمري -للأسف- ماحضرته ولا شفته إلا في الليلة الكبيرة اللي اتربيت عليها وبابا السنة اللي فاتت عمل مفاجأة وجاب السي دي بتاعها... قدرت يا محمد تصور وتوصف، مش بحدة ولا بعنف ولا بصوت عالي مع إنه مولد يعني صوته ملعلع بالمداحين والمنادين والمتخانقين. بل كأنك كنت بتمرر عينك على البانوراما دي وتنتقل من مشهد لمشهد كالريشة في خفتها لما تسقط من جناح حمامة طايرة. وفي نفس الوقت كنت تتغلغل في طبقات المشهد لتصل إلى ماهو أبعد من المولد ومن المداحين والمتفرجين.
بجد بجد أخذتني واديتني فسحة وجرعة هوا مش قاهري

5:35 ص  

إرسال تعليق

<< Home