في شقة مصر الجديدة.. اسمع لحن الصورة
في شقة مصر الجديدة..اسمع لحن الصورة

هذه هي الحدوتة الأساسية لفيلم "في شقة مصر الجديدة".. وهي تحتاج إلى كاتب سيناريو يتعامل بنعومة معها، ومخرج يمتلك أدواته بحيث تخرج الصورة متناغمة مع الحكي، وممثلين قادرين على إقناع المشاهد بأنهم أبطال الحدوتة الحقيقيين.. الجميل أن كل هذا تحقق في " في شقة مصر الجديدة".. بل إنه تحقق بأعلى قدر يمكن أن تتخيله وتتمناه وتعيش معه أحلى وأجمل ساعتين على شريط سينما تنساب مشاهده وكأنها لحن موسيقي عذب.
هذا هو الفيلم الثالث لـ"وسام سليمان" كاتبة السيناريو -وإحدى أهم بطلات الفيلم- بعد تجربتين مميزيتن "أحلى الأوقات" 2004 و"بنات وسط البلد" 2006، وإذا كان هذان الفيلمان بهما نَفَس وروح نسائية واضحان حتى إنهما من الأفلام الحديثة القليلة التي كانت البطولة فيها لممثلات وليس لممثلين، فأن الأمر لا يختلف كثيرا في "في شقة مصر الجديدة" فالبطولة هنا أيضا نسائية "غادة عادل" إلا أن الحس الإنساني هنا أعلى وأكثر عمقا للدرجة التي تجعله يمس النساء والرجال في وقت واحد وبنفس الدرجة والتأثير دون تمييز، رغم أن المدقق سيكتشف أن هناك ثمة ملامح أو تيمات مشتركة بين فيلم "وسام سليمان" الأول "أحلى الأوقات" و"في شقة مصر الجديدة".. هناك الخطابات التي لا يزال الأبطال يصرون على استخدامها رغم كل هذا التطور التكنولوجي الحادث.. وهناك ذلك الشخص المجهول الذي قد لا يظهر في أحداث الفيلم أو يظهر في مشاهده الأخيرة ومع ذلك فهو المحرك الحقيقي للأحداث.
نجحت "سليمان" في التخطيط للسيناريو بذكاء واضح.. وصنعت لبطلة الفيلم "نجوى"/ "غادة عادل" عدة مواقف قهرية قاهرية تليق بالعاصمة تماما! -"معاكسات وسخافات تصل لحد الصفع باليد- حالة ولادة لسيدة أخرى في الحمام- بيع سلسلتها الذهبية- التهرب من دفع أجرة الأتوبيس- التخلف عن اللحاق بالقطار- الإقامة في بيت مغتربات"- وهي ذات المواقف التي تجعل وجودها في القاهرة منطقيا، وفي نفس الوقت تؤجج بداخلها الرغبة في البحث عن مدرستها "الأستاذة تهاني" التي يزداد غموض اختفائها يوما بعد آخر والتي ستكتشف أنها لا تعبر -فحسب- عن كونها مدرسة علمتها الموسيقى وقت أن كانت طالبة في مدرسة الراهبات بالمنيا، وإنما هي تمثل المعادل الموضوعي لـ"الحب الحقيقي" الذي يجب عليها أن تبحث عنه وتتطلع إليه وتنتظره حتى ولو طال هذا لسنوات.
وعبر عدة مشاهد متناغمة ومغلفة بخفة دم دون تكلف.. تتصاعد العلاقة بين "نجوى" و "يحيى/خالد أبو النجا" ساكن شقة مصر الجديدة الذي يعاني هو الآخر من آثار تجربة حب قديمة فاشلة نعرف ملامحها في سرعة وبطريقة مبتكرة -حديث إلى برنامج إذاعي-.. حتى تكون الذروة في محطة مصر -التي كانت حاضرة وبقوة طوال أحداث الفيلم- وبشكل غير مباشر أو تقليدي ولكنه مغلف بالكثير من الدلالات التي تشير إلى أن النهاية ستكون سعيدة.. وكل مشاهد على قدر خياله.
الفيلم يقدم "غادة عادل" في أبهى صورها وأكثرها توهجا -حتى إن هذا يظهر في أفيش الفيلم الرائع الذي ظهرت فيه -ياللغرابة- بظهرها- هذا رغم أنها ارتدت طوال الأحداث ثلاثة فساتين فقط، وظهرت في معظم مشاهده دون أن تضع ماكياجا تقريبا، فهي بسيطة رقيقة خجولة وباحثة عن الحب الحقيقي بجدية في ذات الوقت، والفيلم يعد وثيقة ميلادها السينمائية الثانية -وربما الأكثر قوة- بعد دورها في ملاكي إسكندرية "2005".
"خالد أبو النجا" يقدم دورا مميزا بحرفية وتلقائية في ذات الوقت، يتفوق فيه على دوره في فيلم "لعبة الحب" -الذي قد تتشابه قصته مع قصة "في مصر الجديدة" في فكرة البحث عن حب حقيقي-، وهو بهذا يؤكد أنه أحد قلائل الممثلين الحاليين القادرين على القيام بكل الأدوار رغم تنوعها ما بين رومانسي واجتماعي ونفسي وكوميدي.. وأكشن إن أراد.
أما مفاجأة الفيلم بحق فهو الفنان الكبير "يوسف داود" الذي لم يكن لأحد مطلقا أن يتخيله في دور عجوز يعيش سعيدا على وهج قصة حب، حتى ولو كانت فاشلة لكنها كانت تجربة الحب الأصدق في حياته، "داود" هنا يجسد دوره في عمق ملحوظ وينطق العبارات نابضة بإحساس صادق، ومخرج الفيلم "محمد خان" باختياره لـ"داود" للقيام بهذا الدور يوجه صفعة لكل المخرجين الآخرين الذين اختصروا قدارت هذا الممثل الكبير في القيام بأدوار كوميدية تافهة في أفلام أكثر تفاهة.
قدمت "عايدة رياض" و"أحمد راتب" دوريهما بتفوق واضح رغم أن مساحة ظهورهما لم تكن كبيرة بما يتسق مع أحداث الفيلم، ذات الأمر الذي ينطبق على "مروة حسين" التي يبدو أنها ستحصر نفسها في أدوار الفتاة المشتاقة دوما إلى حضن رجل –ولا ضل حيطة- بأي طريقة كانت!
موسيقى "تامر كروان" بدت -من رقتها- وكأنها تنساب خارج شاشة العرض لتستقر في القلب، تصوير "نانسي عبد الفتاح" التي تتولي مهمة مدير التصوير لأول مرة ينبئ بموهبة حقيقية ستنتفح أمامها كل الأبواب، مونتاج "دينا فاروق" تجنب تماما القطع الحاد والنقلات المفاجئة فجاء ناعما متناغما مع الفيلم ككل.
ويبقى في النهاية "محمد خان" ذلك المخرج الأجمل، والأكثر قدرة على العطاء و(المعافرة) من أجل تقديم سينما إنسانية حقيقية من بين كل زملائه الذين ظهروا في الثمانينيات ثم توقفوا لسبب أو لآخر، فهو في "في شقة مصر الجديدة" يبدو أشبه بقائد الأوركسترا الذي يقود فرقة موسيقية تعزف لحنا عبقريا.. الفارق الكبير هنا أن اللحن هذه المرة معزوف.. بالصورة
نُشر أولا في بص وطل